أبي بكر جابر الجزائري
62
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
فقوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ أي اذكر إذ قال إبراهيم فكيف يذكر ما لم يوح اللّه تعالى إليه بذلك ففسر هذا نبوة رسول اللّه ونزول الوحي إليه ، وقوله : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً أي ذا أمن فيأمن من دخله على نفسه وماله والمراد من البلد مكة . وقوله : وَاجْنُبْنِي « 1 » وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ فيه تقرير للتوحيد الذي هو عبادة اللّه وحده ومعنى اجنبني ابعدني أنا وأولادي وأحفادي وقد استجاب اللّه تعالى له فلم يكن في أولاده وأولاد أولاده مشرك ، وقوله : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ « 2 » تعليل لسؤاله ربه أن يجنبه وبنيه عبادتها ، واضلال الناس كان بعبادتهم لها فضلوا في أودية الشرك ، وقوله : فَمَنْ تَبِعَنِي أي من أولادي فَإِنَّهُ مِنِّي أي على ملتي وديني ، وَمَنْ عَصانِي فلم يتبعني على ملة الإسلام إن تعذبه فذاك وإن تغفر له ولم تعذبه فَإِنَّكَ غَفُورٌ « 3 » رَحِيمٌ ، وقوله : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي « 4 » أي من بعض ذريتي وهو إسماعيل مع أمه هاجر بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ هو مكة إذ ليس فيها ولا حولها زراعة يومئذ وإلى آماد بعيدة وأزمنة عديدة عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ قال هذا بإعلام من اللّه تعالى له أنه سيكون له بيت في هذا الوادي ومعنى المحرم أي الحرام وقد حرمه تعالى فمكة حرام إلى يوم القيامة لا يصاد صيدها ولا يختلي خلاها ولا تسفك فيها دماء ولا يحل فيها قتال ، وقوله : رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ « 5 » فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ هذا دعاء بأن ييسر اللّه تعالى عيش سكان مكة ليعبدوا اللّه تعالى فيها بإقام الصلاة ، فإن قلوب بعض الناس عندما تهفوا إلى مكة وتميل إلى الحج والعمرة تكون سببا في نقل الأرزاق والخيرات إلى مكة ، وقوله : وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ دعاء آخر بأن يرزق اللّه بنيه من الثمرات ليشكروا اللّه تعالى على ذلك فوجود الأرزاق والثمرات موجبة للشكر ، إذ النعم تقتضي
--> ( 1 ) أي : اجعلني جانبا عن عبادتها ، وبنيه من صلبه وكانوا ثمانية : فما عبد منهم أحد صنما قط . كان إبراهيم التميمي يقول : من يأمن البلاء بعد الخليل حتى يقول : واجنبني وبني أن نعبد الأصنام . ( 2 ) نسب الإضلال إليهن وهن جمادات لا يفعلن شيئا : لأنهن السبب في الإضلال . ( 3 ) فوّض الأمر لربه إن شاء غفر لمن عصاه رحمة ، وإن شاء عذّبه . وقيل : قال إبراهيم هذا قبل أن يعلم أن اللّه لا يغفر الشرك لأصحابه . ( 4 ) ذكر البخاري قصّة إسكان إبراهيم عليه السّلام هاجر مكة ، بالتفصيل فليرجع إليها ومن في قوله : مِنْ ذُرِّيَّتِي للتبعيض إذ لم يسكن مكة إلّا إسماعيل وباقي أولاده كانوا بالشام . ( 5 ) خصّ الصلاة بالذكر لأنها العبادة التي تشتمل على الذكر والشكر ، وهي علّة الحياة وسرّ هذا الوجود والكلام في قوله لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ لام كي : التعليلية والفعل متعلق بأسكنت أي : أسكنتهم بمكة ليقيموا الصلاة فيها .